لماذا هي مسألة مستقلّة
في اللحم يقع الكلام في الذكاة وشروطها، وهو بابٌ فقهيّ مطروق. أمّا الحليب والبيض فلا ذكاة فيهما، فالحكم بحلّهما لا يحتاج إلى شيء. ولذلك حين يُثار فيهما إشكال يتوجّه إلى شيءٍ آخر بالكلّية: إلى ما يقع على الأمّ وولدها في الطريق إلى الكوب والعلبة.
اللبن نعمةٌ منصوصة، ولا نجادل في هذا
وإنّ لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين.
الآية صريحة في الامتنان، والحليب حلالٌ طيّبٌ نصًّا. فمن استدلّ على تحريم جنس الألبان فقد جانب الصواب. لكن انتبه إلى ما تصوّره الآية: فضلٌ في ضرع الأمّ يُسقى منه الناس. أهو الوصف نفسه لدورةٍ تُحمَل فيها البقرة سنويًّا ويُنتزع منها وليدها لتبقى مدرّة؟ هذا هو موضع السؤال.
دورة الحليب
| المسألة | الخطوة | ما تعنيه |
|---|---|---|
| التلقيح السنويّ | حملٌ متكرّر | لا يدرّ الضرع إلا بالولادة، فيُدار الحمل إداريًّا |
| فصل الوليد | ساعاتٌ إلى أيام بعد الولادة | لأنّ الحليب سلعة، لا غذاء العجل |
| مصير العجول الذكور | تُذبح صغيرة أو تُربّى للحمًا | هي منتَجٌ فرعيّ لصناعة الحليب لا صناعة مستقلّة |
| الإدرار المرتفع | أضعاف ما تحتاجه الأمّ لوليدها | يرفع أمراض الضرع والعرج والاستنزاف الأيضي |
| نهاية العمر | الذبح بعد سنواتٍ قليلة | متى انخفض الإدرار عن عتبة الربح |
وفي روايات أهل البيت عليهم السلام نهيٌ عن التفريق بين الوالدة وولدها، وعن استقصاء الحلب حتى يضرّ بالوليد أو بالأمّ. فالممارسة التي تجعل الفصل قاعدةً لا استثناءً تصطدم بهذا المعنى مباشرةً، وإن اختلف الفقهاء في كون النهي للتحريم أو للكراهة.
دورة البيض
باختصار
- ذكور كتاكيت سلالات البيض تُفرز في يومها الأول وتُقتل، لأنها لا تبيض ولا يُربَّح تسمينها؛ وقد بدأت بعض الدول بحظر ذلك وإحلال فحص الجنس داخل البيضة.
- قصّ المناقير شائع لمنع النقر الناشئ عن الاكتظاظ نفسه، وكثيرًا ما يقع بلا مسكّن.
- الدجاجة الحديثة تبيض أضعاف ما كانت تبيضه أصولها البرّية، ما يستنزف الكالسيوم ويُكثر كسور عظم القصّ.
- «خالي من الأقفاص» لا يعني الرعي؛ فقد يكون عنبرًا أرضيًّا مكتظًّا، وإن كان أوسع من القفص.
- وفي السنّة نهيٌ عن ترويع الطير وأخذ فراخه من عشّه، وفيه معنًى يقرب من هذا الباب.
الوجه الفقهيّ، وحدوده
استدلّ بعض المعاصرين هنا بمعنى «ما أُخذ قهرًا لا يطيب»، فقالوا: الحليب فضلٌ بعد كفاية الوليد، فإذا انتُزع الوليد ليبقى الحليب صار المأخوذ غير مبذول. وهذا استدلالٌ بالمعنى، وضعفه ظاهر: القاعدة موضوعها الأخذ من ذي ذمّة، والحيوان مملوك، والانتفاع بلبنه منصوصٌ عليه.
فالأقوى في هذا الباب ليس هذا الوجه، بل وجهان آخران: الإعانة على ما هو محرَّم في نفسه — الفصل والقتل والبتر — وشرط الطيّب إن قيل بزيادته. وكلاهما يجري في الحليب والبيض كما يجري في اللحم، بل قال بعضهم إنه فيهما أظهر، لأنّ حيوان الحليب والبيض يعيش أطول تحت الضغط، ثم يُذبح في آخر الأمر أيضًا.
الردود
يُقال في الردّ: إنّ الحليب والبيض حلالٌ بالنصّ ولا شبهة في عينهما، وإنّ ما يقع من إساءةٍ إثمٌ على فاعله، وإنّ فصل الوليد بعد ريّه من اللِّبأ ليس بمنزلة قتله، وإنّ النهي عن التفريق محمولٌ عند كثيرين على الكراهة. ويُقال أيضًا: إنّ الحليب والبيض من أرخص مصادر البروتين وأكثرها إتاحةً للفقراء، وأنّ التشديد فيهما يقع على الضعفاء قبل غيرهم.
ماذا يفعل من اقتنع
من رأى قوّة الإشكال فأمامه درجات: خفض المقدار، واختيار مصادر رعوية معروفة إن وُجدت، وإبدال الحليب في الطبخ بما لا يتغيّر معه الطعم كثيرًا — حليب الشوفان للقهوة، والطحينة والزيت في المخبوزات، وماء الحمّص بدلًا من البيض في التماسك. وأكثر موائد العالم الإسلامي قائمةٌ أصلًا على العدس والحمّص والفول والأرزّ والزيت، فليس التغيير غريبًا عن المطبخ.
خلاصة
أثر البحث
المصادر ومزيد من القراءة
- 01القرآن الكريم: النحل ٦٦، والمؤمنون ٢١، والنحل ٥–٨.
- 02وسائل الشيعة، أبواب أحكام الدوابّ: النهي عن التفريق بين الوالدة وولدها، وعن الحلب المضرّ.
- 03سنن أبي داود، باب في النهي عن أخذ فرخ الطائر من عشّه.
- 04الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، رأي علمي في رعاية الأبقار الحلوب ودجاج البيض.
- 05تقارير القطاع الأوروبي حول فحص الجنس داخل البيضة وحظر إعدام ذكور الكتاكيت في ألمانيا وفرنسا.
نذكر المراجع كاملةً كي يرجع القارئ إلى أصولها بنفسه. ودرجاتُ الأحاديث وأقوالُ العلماء ملخَّصة باجتهادٍ وأمانة، وما كان منها محلَّ خلافٍ نبّهنا عليه. تحقَّق قبل أن تبني على شيء مما هنا.
تابع الخيط
تابع القراءة
Share this page