الأصول

الحيوان في القرآن: أممٌ أمثالكم

القرآن لا يذكر الحيوان في هامشٍ من هوامشه. يسمّي به سورًا، ويجعله آيةً على الخالق، ويصفه بأنه أمم، ويخبر أنه يسبّح، ثم يمتنّ به علينا طعامًا ولباسًا وحمولة. وفهم هذه الآيات مجتمعةً هو الشرط الأول لأيّ كلامٍ جادّ في هذه المسألة.

١٢ دقيقة قراءة6 أقسام4 مصادر

﴿أممٌ أمثالكم﴾

وما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم، ما فرّطنا في الكتاب من شيء، ثم إلى ربهم يُحشرون.
سورة الأنعام، الآية ٣٨

اختلف المفسّرون في وجه المماثلة. فمنهم من قال: أمثالكم في أنها مخلوقة مدبَّرة مرزوقة تموت وتُحشر. ومنهم من قال: أمثالكم في أنّ لها نظامًا اجتماعيًّا وسننًا تجري عليها. وذهب الطبري إلى أنّ المراد أنها أجناسٌ معروفة كأجناسكم، ووسّع الرازي المعنى إلى المشاركة في الإدراك في الجملة. والطباطبائي في الميزان يذهب إلى أنّ للآية دلالةً على نحوٍ من الشعور والغاية في هذه الأمم، لا مجرّد التشبيه في الوجود.

وما لا خلاف فيه بين هذه الأقوال: أنّ الآية تُخرج الحيوان من دائرة الشيء المحض. وخاتمتها ﴿ثم إلى ربهم يُحشرون﴾ تجعل له مصيرًا عند الله، وقد استُدلّ بها على حشر البهائم للقصاص بينها ثم كونها ترابًا، كما ورد في بعض الآثار.

﴿وإن من شيءٍ إلا يسبّح بحمده﴾

تسبّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ، وإن من شيءٍ إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليمًا غفورًا.
سورة الإسراء، الآية ٤٤

وفي النور: ﴿ألم ترَ أنّ الله يسبّح له من في السماوات والأرض والطير صافّات، كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه﴾. والمقصود في سياقنا: أنّ لهذه المخلوقات علاقةً بالله لا تمرّ بنا ولا تتوقّف على نفعها لنا. فقيمتها ليست مستمدّةً من كونها طعامًا.

الامتنان بالأنعام

ومن الأمانة ألّا نقرأ الآيات السابقة وحدها. فالقرآن صريحٌ في الامتنان: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون﴾، و﴿وإنّ لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين﴾. فمن استدلّ بالقرآن على تحريم الأكل فقد جاوز النصّ، وهذا الموقع لا يقول به.

لكن انظر في صيغة الامتنان نفسها: ﴿ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون﴾. الآية تصوّر حيوانًا يخرج إلى المرعى ويعود، ويُرى فيه جمال. هذا وصف مشهدٍ لا يوجد في عنبرٍ مغلق. ولا نبني على هذا حكمًا، لكنه فارقٌ يستحقّ الوقوف.

الاستخلاف لا التملّك المطلق

وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعضٍ درجات ليبلوكم في ما آتاكم.
سورة الأنعام، الآية ١٦٥

الخليفة نائبٌ عن غيره، مقيَّدٌ بأمر مَن استخلفه، مسؤولٌ أمامه. ومن هنا كان القرآن يقرن التمكين بالابتلاء. وقد بنى عز الدين بن عبد السلام على هذا بابًا كاملًا في قواعد الأحكام في «حقوق البهائم» فذكر أنّ على المالك نفقتها، وألّا يحمّلها ما لا تطيق، وألّا يجمع بينها وبين ما يؤذيها، وأن يُحسن ذبحها.

سورٌ بأسمائها

البقرة، والأنعام، والنحل، والنمل، والعنكبوت، والفيل، والعاديات. وليس هذا صدفةً لغوية: القرآن يجعل من النملة متكلّمةً في جماعتها فتُضحك سليمان عليه السلام من قولها، ويجعل الهدهد ناقلًا لخبرٍ ومحاجًّا فيه، ويجعل الطير مع داود مسبّحة. وهذا كلّه يبني حسًّا معيّنًا عند القارئ قبل أن يبني حكمًا.

حدود ما يصحّ أن يُبنى على هذه الآيات

باختصار

  • لا تدلّ هذه الآيات على تحريم أكل اللحم، وقد صرّح القرآن بحلّه في مواضع متعدّدة.
  • لا تدلّ على مساواة الحيوان بالإنسان في التكليف ولا في الحقوق؛ فالتكليف خاصّ بالمكلّف.
  • تدلّ بمجموعها على أنّ للحيوان قيمةً في نفسه وحقوقًا على مالكه، وأنّ الانتفاع مقيَّد.
  • الاستدلال على مسائل الإنتاج الحديث يحتاج إلى ضمّ الحديث والقواعد الفقهية إلى الآية، لا إلى الآية وحدها.

من هنا إلى أين

الخطوة التالية في البناء هي السنّة، حيث تتحوّل هذه المعاني إلى أحكامٍ وأوامر: الرحمة في السنّة.

أثر البحث

المصادر ومزيد من القراءة

  1. 01القرآن الكريم: الأنعام ٣٨ و١٤٢–١٤٤، والنحل ٥–٨ و٦٦–٦٩، والإسراء ٤٤، والنور ٤١، والأنبياء ١٠٧، والحجّ ٣٦–٣٧، والنمل ١٨–١٩، والأنعام ١٦٥.
  2. 02الطبري، جامع البيان؛ والزمخشري، الكشّاف؛ والرازي، مفاتيح الغيب؛ في تفسير ﴿أممٌ أمثالكم﴾.
  3. 03الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ذيل الأنعام ٣٨ والإسراء ٤٤.
  4. 04عز الدين بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، في حقوق البهائم.

نذكر المراجع كاملةً كي يرجع القارئ إلى أصولها بنفسه. ودرجاتُ الأحاديث وأقوالُ العلماء ملخَّصة باجتهادٍ وأمانة، وما كان منها محلَّ خلافٍ نبّهنا عليه. تحقَّق قبل أن تبني على شيء مما هنا.

تابع الخيط

تابع القراءة

Share this page