Merciful Plate

الأصول

الحيوان في القرآن: أممٌ أمثالكم

القرآن لا يذكر الحيوان في هامشٍ من هوامشه. يسمّي به سورًا، ويجعله آيةً على الخالق، ويصفه بأنه أمم، ويخبر أنه يسبّح، ثم يمتنّ به علينا طعامًا ولباسًا وحمولة. وفهم هذه الآيات مجتمعةً هو الشرط الأول لأيّ كلامٍ جادّ في هذه المسألة.

١٢ دقيقة قراءة13 أقسام6 مصادر
طائر بالقرب من الماء في مشهد للعناية بالمخلوقات
صورة تحريرية تربط التأمل في الحيوان بمسؤوليته عن الماء والغذاء؛ وليست توثيقًا لحادثة قرآنية.

﴿أممٌ أمثالكم﴾

وما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم، ما فرّطنا في الكتاب من شيء، ثم إلى ربهم يُحشرون.
سورة الأنعام، الآية ٣٨

اختلف المفسّرون في وجه المماثلة. فمنهم من قال: أمثالكم في أنها مخلوقة مدبَّرة مرزوقة تموت وتُحشر. ومنهم من قال: أمثالكم في أنّ لها نظامًا اجتماعيًّا وسننًا تجري عليها. وذهب الطبري إلى أنّ المراد أنها أجناسٌ معروفة كأجناسكم، ووسّع الرازي المعنى إلى المشاركة في الإدراك في الجملة. والطباطبائي في الميزان يذهب إلى أنّ للآية دلالةً على نحوٍ من الشعور والغاية في هذه الأمم، لا مجرّد التشبيه في الوجود.

وما لا خلاف فيه بين هذه الأقوال: أنّ الآية تُخرج الحيوان من دائرة الشيء المحض. وخاتمتها ﴿ثم إلى ربهم يُحشرون﴾ تجعل له مصيرًا عند الله، وقد استُدلّ بها على حشر البهائم للقصاص بينها ثم كونها ترابًا، كما ورد في بعض الآثار.

﴿وإن من شيءٍ إلا يسبّح بحمده﴾

تسبّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ، وإن من شيءٍ إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليمًا غفورًا.
سورة الإسراء، الآية ٤٤

وفي النور: ﴿ألم ترَ أنّ الله يسبّح له من في السماوات والأرض والطير صافّات، كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه﴾. والمقصود في سياقنا: أنّ لهذه المخلوقات علاقةً بالله لا تمرّ بنا ولا تتوقّف على نفعها لنا. فقيمتها ليست مستمدّةً من كونها طعامًا.

الامتنان بالأنعام

ومن الأمانة ألّا نقرأ الآيات السابقة وحدها. فالقرآن صريحٌ في الامتنان: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون﴾، و﴿وإنّ لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين﴾. فمن استدلّ بالقرآن على تحريم الأكل فقد جاوز النصّ، وهذا الموقع لا يقول به.

لكن انظر في صيغة الامتنان نفسها: ﴿ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون﴾. الآية تصوّر حيوانًا يخرج إلى المرعى ويعود، ويُرى فيه جمال. هذا وصف مشهدٍ لا يوجد في عنبرٍ مغلق. ولا نبني على هذا حكمًا، لكنه فارقٌ يستحقّ الوقوف.

الاستخلاف لا التملّك المطلق

الإباحة الأصلية

الانتفاع بالأنعام ثابت بالنص

تذكر النحل ٥–٨ ويس ٧١–٧٣ وغافر ٧٩ الأكل والركوب والمنافع. لا يصح محو هذه الإباحة بقراءة آية أخرى منعزلة، ولا يصح وصف كل اختيار نباتي بأنه واجب على المسلمين جميعًا.

النعمة والمسؤولية

الإباحة لا تعني سقوط الرعاية

ورود الانتفاع في سياق الامتنان والشكر يفتح سؤال كيفية استعمال النعمة. وتفصّل السنّة والفقه واجبات النفقة والإحسان وتجنب التعذيب. لذلك يختلف حكم أصل المنفعة عن حكم ممارسة مؤذية داخل سلسلة إنتاجها.

وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعضٍ درجات ليبلوكم في ما آتاكم.
سورة الأنعام، الآية ١٦٥

الخليفة نائبٌ عن غيره، مقيَّدٌ بأمر مَن استخلفه، مسؤولٌ أمامه. ومن هنا كان القرآن يقرن التمكين بالابتلاء. وقد بنى عز الدين بن عبد السلام على هذا بابًا كاملًا في قواعد الأحكام في «حقوق البهائم» فذكر أنّ على المالك نفقتها، وألّا يحمّلها ما لا تطيق، وألّا يجمع بينها وبين ما يؤذيها، وأن يُحسن ذبحها.

سورٌ بأسمائها

البقرة، والأنعام، والنحل، والنمل، والعنكبوت، والفيل، والعاديات. وليس هذا صدفةً لغوية: القرآن يجعل من النملة متكلّمةً في جماعتها فتُضحك سليمان عليه السلام من قولها، ويجعل الهدهد ناقلًا لخبرٍ ومحاجًّا فيه، ويجعل الطير مع داود مسبّحة. وهذا كلّه يبني حسًّا معيّنًا عند القارئ قبل أن يبني حكمًا.

النملة وناقة صالح: القدرة حين تواجه الضعف

في النمل ١٨–١٩ تحذر نملة جماعتها من أن يحطمها سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فيتبسم من قولها ويدعو الله أن يوفقه للشكر والعمل الصالح. لا تعرض القصة النملة بوصفها شيئًا تافهًا خارج دائرة الانتباه؛ لها جماعة ومأوى وخوف من أذى قد يقع دون قصد. وهنا معنى عملي مهم: عدم قصد الأذى لا يجعل الوقاية منه بلا قيمة، خصوصًا حين نملك القدرة على ملاحظته وتقليله.

لكن الآية لا تذكر أمرًا تفصيليًا بإيقاف الجيش، ولا تعطينا لائحة قانونية للحشرات. الدرس الأخلاقي مستفاد من بنية القصة ومن استجابة سليمان، لا من نص لم يرد فيها. وعند تطبيقه على آلة حصاد أو شاحنة نقل أو نظام تربية، يلزم بحث ما يمكن تفاديه، وما يترتب على البدائل، بدل الانتقال من التأثر بالقصة إلى حكم عام لا يميز الظروف.

أما ناقة صالح ففي الأعراف ٧٣ يأمر قومه أن يتركوها تأكل في أرض الله وألا يمسوها بسوء، وفي الشمس ١٣–١٤ يرتبط الاعتداء عليها بتكذيب الرسول وعقوبة القوم. للناقة خصوصية بوصفها آية، فلا يصح مساواة كل واقعة بها في العقوبة أو الحكم. ومع ذلك لا يمكن تجاهل أن طعام حيوان ومائه وسلامته صار جزءًا من امتحان أخلاقي وديني بالغ الجدية؛ فالقوة البشرية لم تكن وحدها معيار الحق.

الرحمة للعالمين: مبدأ واسع وتطبيق يحتاج إلى بيان

تصف الأنبياء ١٠٧ الرسالة بأنها رحمة للعالمين. يستند المدافعون عن الرفق بالحيوان إلى هذا الأفق الواسع ليقولوا إن الرحمة ليست معاملة البشر وحدهم. وتستعمل الرسائل الأخلاقية المعاصرة الآية للسؤال عن تمويل أنظمة تقوم على ألم يمكن تجنبه. ذلك استنباط أخلاقي من صفة الرسالة، لا آية تسمي صناعة بعينها أو تحرّم طعامًا بعينه.

والقراءة السائدة التي تقبل أكل اللحم لا يلزم أن تنكر هذا المبدأ؛ يمكن أن ترى تحقيقه في الرعاية والإحسان عند الذبح ومنع التعذيب. يظهر الخلاف حين يسأل الطرفان إن كانت شروط هذه الرعاية متحققة فعلًا في منظومة حديثة. من يدعي تحققها يحتاج إلى دليل، ومن يدعي استحالتها في كل مزرعة يحتاج إلى دليل أيضًا. ولا يغني وصف الصناعة بالجملة عن التحقق من نوع الحيوان والممارسة والمنشأة والرقابة.

عابد أم وحدة إنتاج؟

إذا جمعنا الإسراء ٤٤ والنور ٤١ والحج ١٨ وجدنا التسبيح والصلاة والسجود مرتبطة بالخلق، مع التنبيه إلى حدود إدراك الإنسان لهذا العالم. لا يتوقف هذا الوصف على فائدة الحيوان الاقتصادية؛ فالدجاجة لا تفقد علاقتها بالخالق حين تصير في حسابات المصنع عددًا من البيض، والبقرة لا تختزل في كمية اللبن. ينقل ذلك النقاش من سعر المنتج وحده إلى مسؤولية التعامل مع كائن له قيمة تتجاوز مردوده.

ولا ينتج عن هذا أن كل وصف إنتاجي محرّم أو أن قياس النمو ظلم في ذاته. المشكلة حين يصير المردود المعيار الوحيد، فيُقبل الألم أو العرج أو الحرمان من الحركة لأنه لا يمنع الربح. لفهم ذلك لا تكفي لغة وعظية؛ نحتاج إلى مؤشرات رفاه فعلية ودراسات تبين ما يشعر به الحيوان وكيف تؤثر عليه التربية. ثم يُبحث الحكم الفقهي للممارسة وللمشاركة فيها، مع بقاء الإباحة الأصلية للنوع سؤالًا منفصلًا.

الميزان والعدل وحدود القراءة البيئية

تذكر الرحمن ٧–٩ وضع الميزان والنهي عن الطغيان فيه وإقامة الوزن بالقسط. العدالة في الوزن معنى حاضر صراحة، بينما توسيع الميزان إلى العلاقات البيئية قراءة تفسيرية يستأنس أصحابها بسياق السماء والأرض والنبات. ينبغي التصريح بهذا الفرق؛ فالآيات ليست تقريرًا عن الانبعاثات ولا تمنح نسبة بيئية جاهزة لكل منتج.

عند ربط المبدأ بالغذاء نحتاج إلى تحديد ما نقيسه: أرض أو ماء أو غازات دفيئة، وفي أي إقليم وبأي طريقة إنتاج. تختلف النتائج بين الأنظمة، وقد يجمع منتج واحد أثرًا أقل في جانب وأكبر في آخر. لا تجعل هذه التعقيدات سؤال المسؤولية باطلًا؛ بل تجعل المقارنة المنصفة ضرورية. ويمكن أن يختار المسلم تقليل المنتجات الحيوانية استجابة لما ترجح لديه من ضرر، من غير ادعاء أن كل رقم بيئي يتحول مباشرة إلى فتوى.

من الآية إلى الحكم: أين تقع الخطوات؟

القراءة المسؤولة تميّز بين ما ينص عليه القرآن، وما يستنبطه المفسّر، وما يطبّقه الباحث على واقعة جديدة. في الأنعام ٣٨ وصف مباشر للحيوان بأنه أمم أمثالنا. القول بأن ذلك يمنع حبس الدجاج في قفص بعينه تطبيق أخلاقي يحتاج أيضًا إلى وصف القفص وأثره، وإلى قواعد الرعاية والنهي عن الأذى. وليس هذا التقسيم إضعافًا للحجة؛ بل يمنع تقديم مقدمة صحيحة بوصفها حكمًا كاملًا لا يحتاج إلى بحث.

وينطبق ذلك على التسبيح والسجود. تصف الإسراء ٤٤ والنور ٤١ والحج ١٨ علاقة الخلق بالله، ولا تذكر مواصفات المزرعة أو طريقة الذبح. يضيف هذا الوصف وزنًا إلى واجب الإحسان، لكنه لا يلغي آيات الانتفاع. قد يحتج ناقد الإنتاج الصناعي بأن اجتماع هذه المبادئ مع أذى موثّق يجعل شراء منتجات سلسلة محددة تعاونًا على ضرر؛ ويطلب الفقيه بيان مدى الضرر والبدائل وعلاقة المشتري به. هنا موضع النقاش الحقيقي، لا إنكار النصوص التي تبيح الأكل.

أربع طبقات للاستدلال
  1. 01

    النص

    اقرأ الآية في سياقها وما تصرّح به.

  2. 02

    التفسير

    ميّز المعنى المتفق عليه عن الاجتهاد.

  3. 03

    الواقع

    تحقق من الممارسة وآثارها في سلسلة محددة.

  4. 04

    التطبيق

    وازن الحكم والمسؤولية والبدائل دون تعميم.

خريطة الآيات والأسئلة المعاصرة

الدلالة وحدودها
المسألةالأساس النصيما يحتاج إلى دليل إضافي
الأنعام ٣٨للحيوان جماعات ومصير عند اللهآثار عزل الحيوان وكثافة تربيته
النحل ٥–٨الانتفاع بالأنعام نعمةشروط رعاية الحيوان في نظام معين
النمل ١٨–١٩صوت النملة والخوف من السحقتطبيق الحذر على الآلات والنقل الحديث
الرحمن ٧–٩الميزان والنهي عن الطغيان فيهربط المعنى بأثر بيئي مقاس ومنهج معلن

لا تمثل الخريطة فتاوى منفصلة مستخرجة من كل آية. إنها تساعد على تحديد السؤال الذي ينبغي عرضه على مصادر الحديث والفقه والبحث العلمي. ولا تتساوى دراسة رصدت رفاه الحيوان في منشأة معينة مع صورة بلا تاريخ أو مكان. كما أن شهادة المنتج لا تجيب بالضرورة عن السؤال البيئي؛ فهي تثبت ما شمله معيارها وتدقيقها، لا كل ما نتمنى أن تشهد به.

كيف تتحول القراءة إلى ممارسة؟

  • ابدأ بحاجة ملموسة للحيوان: ماء، غذاء، حركة، ووقاية من الألم. اسأل عن الدليل على توفيرها.
  • ميّز حرمة فعل القسوة عن حكم أكل المنتج؛ فالعلاقة بينهما تحتاج إلى استدلال ولا تُحسم بالشعار.
  • إذا اخترت طعامًا نباتيًا، فصِفه بأنه وسيلة عملية لتقليل المشاركة في سلسلة ترفضها، لا حكمًا على نيات الآخرين.
  • ناقش إمكان البديل وتكلفته والتغذية وظروف الأسرة؛ فالمسؤولية الجادة تراعي القدرة ولا تكتفي بالإدانة.

خلاصة تجمع النصوص ولا تنتقيها

الإباحة الأصلية للانتفاع بالحيوان ليست ترخيصًا لتعذيبه، وقيمته عند الله ليست نصًا على تحريم كل انتفاع به. يبقى السؤال الجاد: هل الممارسة التي ندعمها تحقق الإحسان، أم أن ضررها الموثّق يقتضي تركها أو إصلاحها؟ تختلف الإجابات الفقهية، لكن السؤال لا يسقط بمجرد وجود شعار حلال.

حدود ما يصحّ أن يُبنى على هذه الآيات

باختصار

  • لا تدلّ هذه الآيات على تحريم أكل اللحم، وقد صرّح القرآن بحلّه في مواضع متعدّدة.
  • لا تدلّ على مساواة الحيوان بالإنسان في التكليف ولا في الحقوق؛ فالتكليف خاصّ بالمكلّف.
  • تدلّ بمجموعها على أنّ للحيوان قيمةً في نفسه وحقوقًا على مالكه، وأنّ الانتفاع مقيَّد.
  • الاستدلال على مسائل الإنتاج الحديث يحتاج إلى ضمّ الحديث والقواعد الفقهية إلى الآية، لا إلى الآية وحدها.

من هنا إلى أين

الخطوة التالية في البناء هي السنّة، حيث تتحوّل هذه المعاني إلى أحكامٍ وأوامر: الرحمة في السنّة.

أثر البحث

المصادر ومزيد من القراءة

  1. 01القرآن الكريم: الأنعام ٣٨ و١٤٢–١٤٤، والنحل ٥–٨ و٦٦–٦٩، والإسراء ٤٤، والنور ٤١، والأنبياء ١٠٧، والحجّ ٣٦–٣٧، والنمل ١٨–١٩، والأنعام ١٦٥.
  2. 02الطبري، جامع البيان؛ والزمخشري، الكشّاف؛ والرازي، مفاتيح الغيب؛ في تفسير ﴿أممٌ أمثالكم﴾.
  3. 03الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ذيل الأنعام ٣٨ والإسراء ٤٤.
  4. 04عز الدين بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، في حقوق البهائم.
  5. 05الأعراف ٧٣–٧٩، والشمس ١١–١٤، والحج ١٨، والرحمن ٧–٩: الناقة والسجود والميزان.
  6. 06سارة تليلي، Animals in the Qur’an، جامعة كامبريدج، ٢٠١٢؛ وريتشارد فولتز، Animals in Islamic Tradition and Muslim Cultures، ٢٠٠٦.

نذكر المراجع كاملةً كي يرجع القارئ إلى أصولها بنفسه. ودرجاتُ الأحاديث وأقوالُ العلماء ملخَّصة باجتهادٍ وأمانة، وما كان منها محلَّ خلافٍ نبّهنا عليه. تحقَّق قبل أن تبني على شيء مما هنا.

تابع الخيط

تابع القراءة

Share this page