رسالة مفتوحة

إلى إخوتي وأخواتي: كلمةٌ في الحيوان والطعام والرحمة

هذه ليست فتوى، ولا أملك أن أُفتي. هي رسالة من مسلمٍ إلى مسلمين، يسألهم أن ينظروا نظرةً واحدة صادقة إلى ما صار يقع على خلقٍ من خلق الله لتصل قطعة اللحم إلى أطباقنا، ثم يحكموا هم بأنفسهم.

١٥ دقيقة قراءة9 أقسام5 مصادر

السلام عليكم ورحمة الله

أكتب إليك وأنا أعلم أنّ هذا الموضوع ثقيل، وأنّ كثيرين ممّن طرحوه قبلي طرحوه بأسلوبٍ نفّر الناس منه: اتهامًا، وتشنيعًا، واستعلاءً على عوامّ المسلمين، وأحيانًا بلسانٍ يعادي الدين نفسه ثم يستعير آياته. لست منهم، ولا أكتب لأدينك، ولا لأزعم أنّي أرحم منك بخلق الله. أكتب لأنّي رأيتُ ما لم أستطع بعده أن أدّعي أنّي لا أعرف.

ما لا أطلبه منك

لا أطلب منك أن تقول إنّ الله حرّم ما أحلّ. حاشا. القرآن صريحٌ في حِلّ الأنعام، وصريحٌ في التحذير من تحريم الطيّبات: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم﴾. ولا أطلب منك أن تنكر الأضحية، وهي شعيرةٌ منصوصة أمر الله بها. ولا أطلب منك أن تتّهم أمّك أو جدّك أو إمام مسجدك بالإثم لأنهم يأكلون اللحم.

كلّ ما أطلبه سؤالٌ واحد: هل ما يُباع لنا اليوم هو الشيء نفسه الذي تكلّمت عنه النصوص؟

ما الذي يقع، بلا مبالغة

سأذكر ما هو مرخَّصٌ ومعتاد، لا ما هو مخالفةٌ نادرة. طائرٌ يعيش عمره كلَّه — نحو ستّة أسابيع — في عنبرٍ مغلق، سُلالته مهندَسة ليثقل لحمه أسرع مما تحتمله ساقاه، فيقعد كثيرٌ منها عاجزًا عن المشي إلى مَعلفه. ودجاجةُ بيضٍ في قفصٍ لا تبسط فيه جناحها، وقد قُصّ منقارها في يومها الأول بلا مسكّن. وذكور كتاكيت البيض تُفرز يوم فقسها وتُقتل، لأنها لا تبيض ولا يُربَّح تسمينها.

وبقرةٌ حلوب تُحمَل كلّ عامٍ لتبقى مدرّةً، ثم يُنتزع عجلها منها بعد ساعات، فتظلّ تصيح أيامًا. وخنزيرة — وإن لم تكن من طعامنا فهي من خلق الله — في قفصٍ لا تستدير فيه. ونقلٌ طويل في الحرّ بلا ماء. ثم خطّ ذبحٍ يمرّ عليه في الساعة آلافٌ، تُعدّ فيه الثانية.

ولا أقول لك إنّ كل مزرعةٍ هكذا؛ فهذا كذب. أقول إنّ هذا هو أصل ما يُباع، وإنّ الاستثناء صار هو الرعويّ الصغير، لا العكس.

ما تقوله نصوصنا في هذا

وما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم، ما فرّطنا في الكتاب من شيء، ثم إلى ربهم يُحشرون.
سورة الأنعام، الآية ٣٨

هذه الآية وحدها كافية لتُخرج الحيوان من باب «المادّة» إلى باب «الأمم». وليست وحدها: ﴿وإن من شيءٍ إلا يسبّح بحمده﴾، ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾ — لا رحمةً للناس وحدهم.

وفي السنّة ما هو أصرح: امرأةٌ دخلت النار في هرّة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، ورجلٌ غُفر له في كلبٍ سقاه. وقوله ﷺ: «إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة». وفي روايات أهل البيت عليهم السلام في أبواب الدوابّ: لا تحمّلوها ما لا تطيق، ولا تضربوا الوجه، ولا تتّخذوا ظهورها منابر، وأطعموها إذا نزلتم.

تأمّل معي: إن كانت امرأةٌ عُذّبت في هرّةٍ واحدة حبستها حتى ماتت، فما القول في نظامٍ يحبس بالملايين حبسًا لا يُفكّ إلا بالسكين؟ لا أقول لك إنّ هذا قياسٌ فقهيّ تامّ يُبنى عليه حكم. أقول: إن لم يحرّك فيك هذا شيئًا، فأيّ شيءٍ يحرّكه؟

لم يقل الله «حلالًا» فقط، بل «حلالًا طيّبًا»

تكرّرت في القرآن قرينةٌ لا ينبغي إهمالها: ﴿كلوا مما في الأرض حلالًا طيّبًا﴾. وقد اختلف المفسّرون في «الطيّب»: أهو تأكيدٌ للحلال، أم وصفٌ زائد يفيد الطهارة والجودة وحسن المكسب؟ وأكثرهم على أنّ فيه معنًى زائدًا. فإن كان كذلك، فالسؤال مشروع: أيدخل في الطيّب ما نشأ في قذرٍ ومرضٍ وحبسٍ وأدويةٍ دائمة؟

والشهادة الحلالية — وهي عملٌ نافع لا نبخسه — لا تدّعي في معاييرها المنشورة أنها تشهد لهذا. هي تشهد أنّ الذبح استوفى شروطه وأنّ المكوّنات لم تختلط بمحرَّم. أمّا كيف عاش هذا الحيوان طوال عمره فسؤالٌ خارج نطاقها.

والأرض أمانة

والسماء رفعها ووضع الميزان، ألّا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان.
سورة الرحمن، الآيات ٧–٩

القرآن لا يجعل الأرض ملكًا لنا نصنع بها ما نشاء، بل استخلافًا نُسأل عنه. والإنتاج الحيوانيّ اليوم من أوسع استعمالات الأرض والماء، ومن أسباب إزالة الغابات، ومن مصادر الانبعاثات المعتبرة. وسمّى الله الفساد فسادًا، وسمّى التبذير إسرافًا، وقال: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحبّ المسرفين﴾. وليس من قليل الشأن أن تُطعَم الحبوب لحيوانٍ يُنتج جزءًا يسيرًا منها لحمًا، وفي الأرض من يجوع.

والناس أيضًا

لا يقع هذا الأذى على الحيوان وحده. المسالخ من أشدّ أماكن العمل خطرًا، وكثيرٌ من عمّالها مهاجرون ضعفاء أمام أصحاب العمل. والمجتمعات المجاورة لمزارع التركيز تتحمّل الروائح وتلوّث المياه. والعدل الذي أمر الله به لا يتجزّأ: ﴿كونوا قوّامين بالقسط﴾.

ما ستقوله لي، وأنا أسمعه

باختصار

  • «أتحرّم ما أحلّ الله؟» — لا. الكلام في المانع العارض، لا في أصل الحِلّ، والمسألة خلافية لا إجماع فيها.
  • «الإثم على المسيء لا عليّ» — حجّة معتبرة، وقد فرّق الفقهاء بين الإعانة القريبة والسبب البعيد.
  • «هذا كلام أهل الرفاه» — صحيح في مواضع؛ فمن كان اللحم عنده ضرورةً أو معاشًا فليس مخاطَبًا بهذا.
  • «ثقافتنا وموائدنا» — ولذلك لا أدعوك إلى قطيعةٍ مع أهلك، بل إلى تغييرٍ داخل مائدتك.

ولن أزعم أنّي أجبتُ عن هذه كلّها. اثنتان منها — خطر التحريم بغير نصّ، وبُعد المشتري عن الفعل — كافيتان عند كثيرٍ من أهل العلم لردّ النتيجة. وأنا أعرض عليك الحجّة كاملةً مع ردودها في صفحة الحجّة، ولا أخفي عنك أقوى ما يُقال ضدّي.

ما أطلبه منك

أن تنظر. أن تعرف كيف عاش ما تأكله، لا كيف مات فقط. وأن تسأل نفسك: هل الطريقة التي تصل بها هذه اللقمة إلى فمي تُشبه ديني؟ فإن رأيت أنها تُشبهه فكُلْ مطمئنًّا، ولا يلومك أحد. وإن رأيت غير ذلك، فابدأ بما تطيق: يومان في الأسبوع، أو ترك المصنَّع، أو تحرّي مصدرٍ تعرفه، أو مائدةٌ في رمضان تُبنى على ما بنى عليه أهل الإسلام موائدهم قرونًا: التمر والعدس والحمّص والخبز والزيت.

كلمة أخيرة

لستُ عالمًا، وهذه ليست فتوى، ولا يلزمك منها شيء. اسأل عالمًا تثق به. لكن السؤال الذي في هذه الرسالة لا يحتاج إلى فتوى لتشعر بثقله: أهذه رحمةٌ للعالمين؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أثر البحث

المصادر ومزيد من القراءة

  1. 01القرآن الكريم: الأنعام ٣٨ و١٤١، والإسراء ٤٤، والأنبياء ١٠٧، والأعراف ٣١، والحجّ ٣٧، والروم ٤١، والرحمن ٧–٩.
  2. 02صحيح مسلم ١٩٥٥ و٢٢٤٢؛ وصحيح البخاري ٣٣١٨ و٢٣٦٣.
  3. 03الكافي للكليني، ووسائل الشيعة، أبواب أحكام الدوابّ.
  4. 04نهج البلاغة، من كلام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في الظلم والولاية.
  5. 05منظمة الأغذية والزراعة، وتقارير الهيئات البيطرية الأوروبية في رعاية الحيوان.

نذكر المراجع كاملةً كي يرجع القارئ إلى أصولها بنفسه. ودرجاتُ الأحاديث وأقوالُ العلماء ملخَّصة باجتهادٍ وأمانة، وما كان منها محلَّ خلافٍ نبّهنا عليه. تحقَّق قبل أن تبني على شيء مما هنا.

تابع الخيط

تابع القراءة

Share this page