الحجّة كاملةً
اثنتا عشرة حلقة، ومَن يقطعها
يقول قائلون من المسلمين اليوم إنّ اللحم والحليب والبيض المنتَجة بالطرق الصناعية ليست مكروهةً ولا مؤسفة فحسب، بل محرَّمة. هذه الصفحة تعرض استدلالهم مرتَّبًا من أوّله إلى آخره، بلا تلطيف، ثم تعرض بالقوّة نفسها الردودَ التي تقطع كل حلقةٍ منه.
شكل الاستدلال
قبل الدخول في التفاصيل ينبغي أن يُفهم شكل الحجّة، فكثيرٌ من الخلاف حولها منشؤه سوء فهمٍ لبنيتها. ليست الدعوى أنّ الله حرّم لحم الأنعام؛ فهذا مردودٌ بنصّ القرآن، بل قال سبحانه في سياق الامتنان: ﴿ومنها تأكلون﴾. ولا الدعوى أنّ النبيّ ﷺ ترك اللحم أو كرهه؛ فقد ثبت أكله له، وثبتت الأضحية. من ادّعى شيئًا من ذلك فقد جاوز النصّ، ونحن نردّه معه.
الدعوى شيء آخر: أنّ حِلّ المباح مشروطٌ بطريق حصوله، وأنّ الطريق الذي يصل به اللحم إلى السوق اليوم مركَّبٌ من ممارساتٍ كلٌّ منها منهيٌّ عنه في الشريعة بانفراده. فلو سُئل فقيه: أيجوز حبس الطائر في مساحةٍ لا يبسط فيها جناحه طولَ عمره؟ لقال: لا. ولو سُئل: أيجوز قطع منقاره أو ذيله أو خصيتيه بلا حاجةٍ ولا تخدير؟ لقال: لا. ولو سُئل: أيجوز إجاعة الدابّة وحرمانها الماء؟ لقال: لا، بل جاء فيه الوعيد. فالاستدلال يجمع هذه الأجوبة المفرَّقة ويسأل: فما حكم شراء المنتَج الذي لا يوجد إلا بها؟
ما هذه الصفحة وما ليست به
١ · الحكم يدور مع موضوعه، والموضوع تبدّل
قاعدةٌ متّفق عليها في الأصول: تبدّل الموضوع يوجب تبدّل الحكم. والفقيه حين أفتى في «الشاة» أو «البقرة» أو «الدجاجة» كان أمام كائنٍ يرعى، ويُربّى في بيتٍ أو مرعى، ويألف مَن يعلفه، ويُذبح بيدٍ تراه. والحيوان الذي يصل إليك اليوم في العلبة قد يكون عاش ثلاثين يومًا في عنبرٍ لم يرَ الشمس فيه، وسُلالته مهندَسة ليزيد وزن صدره أسرع من قدرة ساقيه على حمله.
والاعتراض المتوقَّع هنا: «هذه مسألة مستحدَثة، والأصل في الأشياء الإباحة». والجواب أنّ الاستحداث لم يمنع الفقهاء يومًا من الحكم: التبغ لم يُعرف في زمن الأئمة والصحابة، ومع ذلك اختلف فيه المتأخّرون بين التحريم والكراهة والإباحة بناءً على أثره لا على اسمه. فالمقصود أنّ الجِدّة تستدعي اجتهادًا جديدًا، لا سكوتًا.
٢ · ما الذي يقع فعلًا
لا معنى للاستدلال الفقهي إن كانت مقدّمته الواقعية مجهولة أو مبالَغًا فيها. وهذه أمثلةٌ من الممارسات المرخَّصة والمعتادة في النظم الصناعية الكبرى، لا من الحوادث الشاذّة: الحبس مدى الحياة بكثافةٍ عالية؛ وبتر أطرافٍ من الجسد — قصّ المناقير، وقطع الأذناب، والإخصاء — بلا مسكّنٍ في كثير من الأنظمة؛ وفصل العجل عن أمّه بعد ساعاتٍ من ولادته لأنّ حليبها سلعة؛ وقتل ذكور كتاكيت البيض في يومها الأول لأنها لا تبيض ولا تسمن؛ ونقلٌ طويل بلا ماءٍ ولا راحة؛ وخطوط ذبحٍ سريعة تجعل الفحص الفرديّ متعذّرًا.
قتل ذكور الكتاكيت في يومها الأول ممارسة قياسية في إنتاج بيض المائدة
معترَف به في وثائق القطاع نفسه، وقد بدأت بعض الدول الأوروبية بحظره وإحلال فحص الجنس داخل البيضة محلّه.
الحبس الشديد يُفضي إلى كسور وعرجٍ وأمراضٍ مزمنة في نسبةٍ معتبرة من القطعان
ثابت في دراساتٍ بيطرية محكَّمة وفي بيانات المسالخ، لا في مواد الحملات فقط.
الثروة الحيوانية مسؤولة عن نحو ١١–١٢٪ من الانبعاثات البشرية
تقدير الفاو؛ وثمّة تقديرات أعلى وأدنى بحسب حدود الحساب. والأرقام المتداولة التي تتجاوز ٥٠٪ لا تثبت.
اللحوم المصنَّعة مصنَّفة في المجموعة الأولى للمسرطنات
تصنيف الوكالة الدولية لبحوث السرطان ٢٠١٥؛ والتصنيف عن قوّة الدليل لا عن حجم الخطر.
كل لحمٍ معتمَد حلالًا يأتي من حيوانٍ عُذِّب
دعوى مطلقة لا تصحّ. ثمّة مزارع صغيرة ورعوية قائمة، وإن كانت حصّتها من السوق ضئيلة.
٣ · إيذاء الحيوان محرَّم، لا مكروه فحسب
إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته.
الحديث ليس نصيحةً في الذوق، بل هو تكليفٌ بالإحسان في موضعٍ يقع فيه القتل مباحًا. ومعه حديث المرأة التي دخلت النار في هرّة حبستها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض (البخاري ٣٣١٨، ومسلم ٢٢٤٢)، ومقابله حديث الرجل الذي سقى كلبًا فغُفر له (البخاري ٢٣٦٣). وفي روايات الإمامية نظائرها في أبواب أحكام الدوابّ من وسائل الشيعة: النهي عن تحميل الدابّة ما لا تطيق، وعن ضرب الوجه، وعن الوسم فيه، وعن التفريق بين الأمّ وولدها.
وقرّر الفقهاء أنّ للحيوان نفقةً واجبة على مالكه، وأنّ هذا الحقّ ليس ممّا يسقط بإسقاط أحد؛ لأنه من حقّ الله لا من حقّ العبد وحده. نصّ على هذا الشيخ الطوسي والعلّامة الحلّي وصاحب الجواهر في المذهب الإمامي، ونظيره في كتب المذاهب الأربعة في باب النفقات.
٤ · ما يُنتزع بالسوط
حلقةٌ يقول بها بعض الكاتبين، ولا سيما ممّن يستند إلى قاعدةٍ عند الإمامية: أنّ ما أُخذ من صاحبه قهرًا لا يطيب أكله. ووجه تنزيلها هنا: أنّ الحليب في الأصل رزقٌ فائض بعد كفاية الوليد، فإذا صارت البقرة تُحمَل قسرًا سنةً بعد سنة ويُنتزع وليدها ليبقى الحليب للسوق، لم يبقَ الحليب فضلًا مبذولًا بل صار منتزعًا. ومثله بيض دجاجةٍ في قفصٍ لا تستطيع فيه بسط جناحها.
والردّ الجادّ عليها: أنّ القاعدة موضوعها الأخذ من مالكٍ ذي ذمّة، وأنّ الحيوان مملوك شرعًا وأنّ الانتفاع بلبنه وصوفه منصوصٌ عليه في القرآن نفسه. فالحلقة إذًا استدلالٌ بالمعنى لا بالنصّ، وقوّتها في تراكمها مع غيرها لا في انفرادها. وتفصيلها في الألبان والبيض.
٥ · الشراء إعانة، والإعانة على الإثم منهيٌّ عنها
وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
الاستدلال هنا مباشر: إن كانت هذه الممارسات محرَّمة، وكان الشراء هو الطلب الذي يستدعيها ويموّلها، فالمشتري داخلٌ في الإعانة. ويقوّيه أنّ العلاقة ليست مجازيّة: الإنتاج يُحسب على الطلب المتوقَّع، والعنبر لا يُبنى إلا لسوقٍ موجودة.
والردّ الفقهيّ المعتبر: أنّ الفقهاء فرّقوا بين الإعانة القريبة والسببية البعيدة. فبائع العنب لمن يعصره خمرًا مسألةٌ خلافية، ودافع الضريبة لدولةٍ تُنفق بعضها في حرامٍ لا يأثم بذلك. فالمشتري في آخر السلسلة أشبه بالثاني عند كثيرين. وهذا الردّ لا يُسقط الحلقة، لكنه ينقلها من «إثمٍ لاحقٍ بالمشتري» إلى «كراهةٍ وورع».
٦ · لا ضرر ولا ضرار
هذه الحلقة أضعف مما يظنّ المتحمّسون لها، وأقوى مما يظنّ منكروها. الثابت: أنّ اللحوم المصنَّعة مصنَّفة مسرطنة من المجموعة الأولى، وأنّ الاستعمال الواسع لمضادّات الميكروبات في المزارع من محرّكات المقاومة الدوائية، وأنّ التركيز الحيواني الشديد بيئةٌ مواتية لانتقال الأمراض. وغير الثابت: أنّ كل لحمٍ سمٌّ، وأنّ ترك اللحم يشفي من الأمراض المزمنة، وأنّ الأمر يبلغ حدّ الإلقاء بالنفس إلى التهلكة الذي عنته الآية.
٧ · الفساد في الأرض والإسراف
ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.
الإنتاج الحيوانيّ من أكبر مستعملي الأرض والماء في العالم، ومن أكبر أسباب إزالة الغابات، ومن مصادر الانبعاثات المعتبرة. والقرآن لا يسمّي هذا «مشكلة بيئية» بل يسمّيه فسادًا، ويسمّي التبذير في الطيّبات إسرافًا: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾. وهما بابان تكليفيّان لا وجدانيّان.
٨ · حين تنقلب الموازنة
من مقاصد الشريعة موازنة المصالح والمفاسد عند التزاحم. وكان أكل اللحم في أزمنةٍ وأمكنةٍ ضرورةً غذائية لا بديل عنها، فكانت كلفتُه على الحيوان مغمورةً في مصلحة بقاء الإنسان. أمّا اليوم، وفي البلدان التي تتوفّر فيها بدائل نباتية كاملة التغذية، فالمنفعة صارت في الغالب عادةً وذوقًا، والكلفة صارت أذًى منهجيًّا. فالميزان الذي أمرت الشريعة بإقامته لم يتغيّر، لكن كفّتيه تغيّرتا.
الإباحة
حلالٌ كما كان
ما أحلّه الله لا يحرّمه فعل الناس؛ والإثم على المسيء لا على المشتري؛ وتحريم الحلال أعظم خطرًا من أكله.
الورع
حلالٌ مع كراهةٍ وتوقٍّ
الحكم باقٍ على الحلّ، لكن التقليل والاختيار وترك المشتبه أقرب إلى مقاصد الشرع وإلى قوله: دع ما يريبك.
التحريم
حرامٌ في هذه الأحوال
تراكم المقدّمات يُخرج المنتَج عن حِلّه: إعانةٌ على محرَّم، وأذًى ثابت، وفسادٌ في الأرض، وشبهةٌ تُوجب الاحتياط.
٩ · شروط الذكاة على خطّ الإنتاج
| المسألة | ما تشترطه الكتب | ما يقع في النظم الصناعية |
|---|---|---|
| سلامة الحيوان | حيوان صحيح غير مريض | نسبة معتبرة تصل مصابةً بالعرج أو الكسور أو الالتهاب |
| الحياة عند الذبح | أن يكون حيًّا حين قطع الأوداج | يقع خلافٌ حقيقي في الصعق الكهربائي وأثره |
| عدم التعذيب قبلها | ألا يُروَّع ولا يُعذَّب قبل الذبح | زحامٌ ونقلٌ طويل ومناولة عنيفة قبل الخطّ |
| التسمية | ذكر اسم الله على الذبيحة | تُستعمل تسجيلات أو تسمية جماعية، وفيها خلاف |
| الآلة والذابح | شفرة حادّة وذابح أهل | سرعة الخطّ تُضعف الفحص الفرديّ والتحقّق |
نتيجة الجدول أنّ الإخلال ليس في شرط الذكاة الأشهر — التسمية وقطع الأوداج — بل في الشروط المحيطة التي يذكرها الفقهاء ولا تذكرها الشهادات: ألّا يُعذَّب الحيوان قبل ذبحه، وأن يكون سليمًا.
١٠ · الاحتياط حين يغيب اليقين
أنت لا تستطيع أن تعرف — ولا يستطيع بائعك — أصُعِق هذا الطائر صعقًا صحيحًا أم مرّ على الخطّ حيًّا في الماء المغليّ، أهذه البقرة ذُبحت سليمةً أم دُفعت وهي عرجاء. والقاعدة عند من يقول بالاحتياط في الشبهة التحريمية أنّ الترك أقرب. والشهادة الحلالية تجيب عن سؤالٍ إجرائيّ — أذُكر اسم الله وقُطعت الأوداج؟ — ولا تدّعي هي نفسها الإجابة عن سؤال الرحمة.
١١ · الحجّة الأخلاقية تقوم وحدها
وما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم.
حتى لو رفضتَ سلسلة الاستدلال الفقهي كلَّها، يبقى سؤال: أهذه المعاملة تليق بمن وُصف نبيّه بأنه رحمةٌ للعالمين؟ وقد رُوي عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أنه قال: «والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جُلبَ شعيرة ما فعلته». هذا ميزانٌ أخلاقيّ لا يحتاج إلى فتوى ليعمل.
١٢ · الردود الجادّة، بأقوى صورها
باختصار
- تحريم ما لم يحرّمه الله أمرٌ عظيم؛ والقرآن عاب على من حرّم طيّبات أُحلّت له.
- الإثم يلحق الفاعل: المزارع والمشرّع والمستثمر، لا المشتري البعيد في آخر السلسلة.
- ليست كل مزرعةٍ عنبرًا صناعيًّا؛ فالحكم على السوق كلّه بحال أسوئه تعميمٌ فاسد.
- الأضحية عبادة منصوصة، ولا تُقاس على شراء وجبةٍ ولا تُلغى بحساب الانبعاثات.
- العالم ليس كلّه أوروبا: في مجتمعاتٍ كثيرة اللحم واللبن ضرورةٌ اقتصادية وغذائية.
- الغلوّ في المسألة يفتح باب اتّهام عوامّ المسلمين بالإثم، وهذا ضرره أكبر من نفعه.
هذه الردود ليست شكليّة؛ اثنان منها — الإعانة البعيدة، وخطر التحريم بغير نصّ — كافيان عند كثيرٍ من أهل العلم لردّ النتيجة كلّها. ومن الأمانة أن نقول: لا نعلم مرجعًا معتبرًا اليوم يفتي بحرمة المنتجات الحيوانية من حيث هي.
أين ينتهي هذا كلّه
من أخذ بالسلسلة كاملة انتهى إلى التحريم في هذه الأحوال، ومن قطع حلقةً منها انتهى إلى الحلّ مع الورع. وبين المنزلتين مساحةٌ عمليّة يتّفق عليها أكثر الناس: التقليل، وتحرّي المصدر، وترك المشتبه، ورفض الإسراف. والنتيجة في أصلها مشروطة: مبناها على حال الحيوان اليوم، فإن تغيّرت الأحوال تغيّر الحكم معها.
وللتفصيل: الرحمة في السنّة، والحلال والطيّب، وهل لحم المزارع الصناعية حرام؟، والرسالة المفتوحة.
أثر البحث
المصادر ومزيد من القراءة
- 01القرآن الكريم: المائدة ٢، والأنعام ٣٨ و١٤١، والإسراء ٤٤، والأنبياء ١٠٧، والأعراف ٣١، والروم ٤١.
- 02صحيح البخاري (٣٣١٨، ٢٣٦٣) وصحيح مسلم (١٩٥٥، ٢٢٤٢) في الرفق والإحسان في القتلة والوعيد على حبس الهرّة.
- 03الكليني، الكافي، كتاب الحجّ والصيد والذبائح؛ والحرّ العاملي، وسائل الشيعة، أبواب أحكام الدوابّ.
- 04النجفي، جواهر الكلام؛ والطوسي، المبسوط؛ والعلّامة الحلّي، تذكرة الفقهاء، في نفقة الحيوان وحرمة إيذائه.
- 05الغزالي، إحياء علوم الدين، وكتاب الحلال والحرام؛ وابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
- 06الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC)، تقييم اللحوم المصنَّعة والحمراء، ٢٠١٥.
- 07منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، تقديرات انبعاثات الثروة الحيوانية العالمية (نحو ١١–١٢٪ من الانبعاثات البشرية).
نذكر المراجع كاملةً كي يرجع القارئ إلى أصولها بنفسه. ودرجاتُ الأحاديث وأقوالُ العلماء ملخَّصة باجتهادٍ وأمانة، وما كان منها محلَّ خلافٍ نبّهنا عليه. تحقَّق قبل أن تبني على شيء مما هنا.
تابع الخيط
تابع القراءة
Share this page