Merciful Plate

مقارنة سنية شيعية

مدوّنات الحديث ومناهج الاستدلال

حجّةٌ في الرحمة بالحيوان لا تستشهد إلا بوسائل الشيعة لن تقنع قارئًا حنفيًا، وأخرى لا تستشهد إلا بالبخاري لن تحسم سؤالًا جعفريًا — مع أن التراثين يشتركان في كمٍّ هائل من المرويّات النبوية عن الرفق بالحيوان. لماذا يُجاب عن السؤال نفسه من كتب مختلفة وبمنطق مختلف، كلٌّ بلغة مدرسته؟

قراءة معمّقة · ٢٠ دقيقة10 أقسام9 مصادر

لا تحاول هذه الصفحة أن تحسم أي منهجَي الحديث أصوب. غايتها أن تُبيّن، بلغة كل مدرسة الخاصة، لماذا يلجأ الكتّاب السنة والإمامية، حين يكتبون عن أخلاقيات معاملة الحيوان، إلى كتب مختلفة وأسانيد مختلفة، ولماذا توزَن كلمة واحدة — «صحيح» — بميزان مختلف عند كل منهما. ولعل القارئ الذي يتساءل لماذا تبدو حجّة محكمة عند جمهور وغير موجّهة أصلًا عند جمهور آخر يجد هنا ما يفيده.

لماذا يهمّنا هذا هنا

يستند هذا الموقع إلى مواد من التراثين السني والإمامي معًا حين يتناول معاملة الحيوان، لأن كلا التراثين حافل بالنصوص، ولا يحتكر أحدهما المرويّات النبوية عن الرحمة. لكن مقالًا يستشهد بخبر المرأة التي عُذّبت لحبسها هرّة حتى ماتت من «وسائل الشيعة» وحدها — مع أن الخبر ثابت أيضًا في البخاري ومسلم — سيبدو لقارئ حنفي أو شافعي حجّةً مبنية على أساس غير أساسه، أيًّا كان مضمونها. ومقال يحتجّ بقول للإمام جعفر الصادق مستشهدًا بأبي داود وحده لن يحسم شيئًا عند قارئ جعفري، لأن أبا داود لا يروي عن الصادق بوصفه مصدر تشريع، فلا يؤدي الاستشهاد الغرض المطلوب منه. وليس هذا تقصيرًا من أحد الطرفين، بل نتيجة مباشرة لتصوّرين متماسكين، طال تطورهما تاريخيًا، حول أي الكتب تنقل معرفة دينية ملزمة، وكيف يستحق الخبر أن يُعمل به.

والمُطمئن، وهو سبب استحقاق صفحة مقارنة في مناهج الحديث مكانًا في موقع عن أخلاقيات الحيوان لا في منهج دراسي متخصص فحسب، أن التقاطع بين التراثين واسع جدًا. كثير من المرويّات النبوية عن الرفق بالحيوان — الجمل المربوط الجائع الذي شكا صاحبه إلى النبي، والحمار الموسوم في وجهه، والمغفرة بسبب كبد رطبة، والنهي عن ضرب الوجه — تَرِد، في جوهرها إن لم يكن بلفظها الحرفي، في الروايتين السنية والشيعية، وأحيانًا بأسانيد مستقلة تمامًا. والخلاف الأهم هنا ليس غالبًا «هل قال النبي هذا» بل «أي الكتب تحسم السؤال، وبأي معيار، وماذا يُحتسب دليلًا غير قول النبي نفسه». هذا سؤال منهجي، ويستحق أن يُعرض بوضوح، بلغة كل مدرسة، قبل أي محاجّة مقارنة عن الحيوان.

باختصار

  • المسلمون السنة ليسوا صوتًا واحدًا: أربعة مذاهب حية (حنفي ومالكي وشافعي وحنبلي) تختلف فيما بينها في المنهج والأحكام.
  • «الشيعة» هنا تعني بصفة رئيسة المدرسة الإمامية الاثني عشرية؛ وللزيدية والإسماعيلية مدوناتهم وأصولهم الخاصة.
  • الكتب الستة السنية والكتب الأربعة الشيعية مجموعتان بمعايير مختلفة، ولا تحل إحداهما محل الأخرى عند من نشأ في المدرسة المقابلة.
  • الإمامية تعامل أقوال الأئمة الاثني عشر مصدر تشريع لا مجرد نصيحة تقيّة، بينما يكرّمها أهل السنة احترامًا من غير أن تكون مصدرًا مستقلًا للحكم.
  • عدالة الصحابة عند السنة والتقييم الفردي لكل راوٍ عند الإمامية طريقتان متماسكتان، لا طريقة واحدة صحيحة وأخرى خاطئة، لوزن الروايات نفسها.
  • القياس مصدر معتبر في أصول السنة ومرفوض في أصول الإمامية السائدة، التي تجعل «العقل» مصدرًا رابعًا مع القرآن والسنة والإجماع.
  • مقالة جوادي ومسعودي تنتقل بسلاسة بين كنز العمال وأبي داود من جهة، ووسائل الشيعة وبحار الأنوار وجواهر الكلام ونهج البلاغة من جهة أخرى؛ فالقارئ السني يأخذ بعضها مباشرة ويقرأ بعضها الآخر وصفًا لمنطق مدرسة أخرى.

المدونة السنية

ينظّم علماء الحديث عند أهل السنة أوثق موادهم حول ست مجموعات تُعرف بـ«الكتب الستة»: صحيح البخاري وصحيح مسلم، ويُطلق عليهما معًا «الصحيحان» لدقة التحرّي فيهما، وأربع مجموعات أخرى — سنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه — طبّق مصنّفوها معايير أقل صرامة نسبيًا، فضمّت هذه الكتب موادَّ يُحكم عليها داخل المجلد الواحد بالصحة أو الحُسن أو الضعف. ويضيف العلماء إلى الكتب الستة موطأ الإمام مالك، وهو من أقدم المجموعات الباقية وركيزة المذهب المالكي، ومسند أحمد بن حنبل المرتّب على أسماء الرواة لا على الموضوعات. وللبحث الموضوعي — وهو تحديدًا ما يحتاجه من يجمع نصوصًا عن الرفق بالحيوان — يعتمد الباحثون على فهارس متأخرة مثل كنز العمال للمتقي الهندي، وهو عمل من القرن السادس عشر الميلادي يجمع الروايات من مصنّفات سابقة حسب الموضوع؛ وكنز العمال أداة دلالة لا مصدر مُدرَّج بذاته، فما يُعثر عليه فيه يحتاج إلى تتبّعه إلى أصله والحكم عليه هناك.

ويحكم هذا التصنيف علمٌ دقيق يُعرف بمصطلح الحديث مقترنًا بعلم الرجال. ومحوره الإسناد، أي سلسلة الرواة الممتدة من المصنِّف إلى النبي. فدرجة الخبر — صحيح أو حسن أو ضعيف، أو موضوع في أسفل السلّم — تتوقف قبل كل شيء على وثاقة السند واتصاله: هل كل راوٍ معروف بالعدالة والضبط؟ هل لقي كل راوٍ من روى عنه فعلًا؟ هل السند متصل؟ وهل يخلو المتن من الشذوذ والعلة الخفية؟ وقد أنتج هذا المنهج المسندي عبر القرون معاجم ترجمية ضخمة للرواة، ولهذا يريد عالم الحديث السني، حين يفحص خبرًا في النهي عن وسم وجه الحيوان مثلًا، أن يعرف بدقة من روى الخبر جيلًا بعد جيل قبل أن يقرّر مقدار ما يحتمله من الحجّية.

وينبغي التنبيه إلى أن أهل السنة أنفسهم ليسوا صوتًا واحدًا في صرامة تطبيق هذا الجهاز ولا في نتائجه. فالمذاهب الأربعة الحية — الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي — تختلف فيما بينها في وزن خبر الآحاد أمام عمل أهل المدينة، وفي مدى جواز الاستشهاد بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون ثبوت حكم به، وفي تفاصيل كثيرة من نقد الرواة ذاته. فمن يعامل «الرأي السني» بوصفه موقفًا واحدًا، في منهج الحديث أو في الرفق بالحيوان، يكون قد بسّط الأمر أكثر مما يبسّطه التراث نفسه.

المدونة الإمامية

تنتظم مدوّنة الحديث عند الإمامية الاثني عشرية بادئ الأمر حول أربعة كتب تُعرف بـ«الكتب الأربعة»: الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، وهو الأقدم والأكثر استعمالًا؛ ومن لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي الصدوق، وقد رُتّب للاستعمال الفقهي العملي؛ وتهذيب الأحكام والاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي، وقد سعى فيهما مصنّفهما إلى التوفيق بين الروايات المتعارضة ظاهرًا في أحكام الفقه. وتؤدي هذه الكتب الأربعة عند فقهاء الإمامية دورًا يشبه دور الكتب الستة عند فقهاء السنة، لكن من غير أن يُسبغ عليها الفقهاء افتراضًا شاملًا بالصحة كالذي يُسبغه كثير من علماء السنة على البخاري ومسلم؛ فتُحكَّم الروايات داخل الكتب الأربعة نفسها فردًا فردًا.

وأنتج علماء متأخرون مجموعات أوسع مستندة إلى الكتب الأربعة وغيرها: وسائل الشيعة للحرّ العاملي، وهي ترتيب موضوعي ضخم للحديث الفقهي يُستشهد به كثيرًا في مسائل رعاية الحيوان وذبحه، وبحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي، وهي مجموعة صفوية أضخم تجمع موادَّ متفاوتة الوثاقة بشدة، ويستعملها العلماء مستودعًا يُغربل لا مصدرًا موثوقًا بإطلاق. ويحتل نهج البلاغة، وهو خطب ورسائل وحكم منسوبة إلى الإمام علي جمعها الشريف الرضي في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، منزلة خاصة: فهو محبوب في أرجاء العالم الإسلامي لقيمته الأدبية والأخلاقية، وفيه من أبرز النصوص في تراث الرفق بالحيوان كله — كوصيته لعمّاله على الزكاة بحسن معاملة الماشية، وتوجيهه ألا يُروَّع بهيمة ولا تُفزَع — لكن كل نص فيه يحمل إسناده الخاص وجدل مصادره، بمعزل عن مسألة صحة المعنى المنسوب إلى علي نفسه.

ويستعمل نقد الحديث عند الإمامية معظم مصطلحات النقد السني نفسها — صحيح وحسن وضعيف — لكنه يضيف مرتبة رابعة معتبرة هي «الموثَّق»، وتُطلق على خبر في سنده راوٍ موصوف بالوثاقة في النقل مع أنه ليس إماميًا، أو تحفّه سمة أخرى تمنعه من بلوغ الصحيح الصرف مع بقائه صالحًا للاستدلال. ويستحق هذا المصطلح توضيحًا صريحًا لا مجرد إشارة عابرة، لأنه لا نظير دقيق له عند السنة؛ فمصطلح الحديث السني لا يبني مرتبته الوسطى على انتماء الراوي المذهبي بهذا الوضوح، وترجمة «الموثَّق» إلى «الحسن» تقريب لا مطابقة. وقد يحمل الخبر الموثَّق وزنًا فقهيًا حقيقيًا عند الإمامية، فلا ينبغي لمن لا يألف المصطلح أن يظنه أقرب إلى الضعيف.

الفارق البنيوي: مكانة الأئمة

أهم فارق يغيّر طريقة استعمال المدونتين ليس اختلافًا في عناوين الكتب بل اختلافًا في تحديد ما يُعدّ مصدرًا للتشريع أصلًا. ففي العقيدة الإمامية يُعتقد أن الأئمة الاثني عشر، ابتداءً من علي ومرورًا بمحمد الباقر وجعفر الصادق وعلي الرضا وسائرهم، يملكون سلطة مُهداة إلهيًا لبيان الشريعة الموروثة عن النبي بل ونقلها بمعنى حقيقي. فتُعامَل أقوالهم وسيرتهم دليلًا معتبرًا في الفقه في مرتبة قريبة من الحديث النبوي ذاته — لا مطابقة للوحي، لكنها ملزمة مصدرًا للمعرفة الفقهية لا مجرد كلام رجل صالح يُستأنس به. ولهذا يرِد كثير من مواد وسائل الشيعة في معاملة الحيوان لا عن النبي مباشرة بل عن الإمام الصادق أو الباقر أو الرضا؛ ومن أمثلة ذلك «حقوق الدابة الستة» المروية عن الصادق عن آبائه عن علي عن النبي، وهي سند يمرّ بعدة أئمة ويُعامَل في الفقه الإمامي معاملة الحديث النبوي في المصادر السنية. وحكم الصادق بكراهة ذبح المرء لِما ربّاه بنفسه، الذي يورده النجفي في جواهر الكلام، يقوم في هذا الأدب دليلًا فقهيًا بذاته، لا مجرد حكاية عن رقّة رجل فاضل.

وعند أهل السنة موقف آخر متماسك بذاته، لا انحرافًا عن الموقف الإمامي. فعليّ والحسن والحسين وذريتهم يُكرَمون أهل بيت النبي، ومن كان منهم صحابيًا يُكرَم صحابيًا، وتُروى أقوالهم وسيرتهم باحترام ويُستشهد بحكمتها وورعها كثيرًا. لكنهم عند الفقه السني المتأخر ليسوا، بهذا الوصف، قناة تشريع مستقلة إلى جانب القرآن وسنة النبي نفسه. فقول للإمام جعفر الصادق — وهو معظَّم أيضًا داخل التراث السني عالمًا وشيخًا لأبي حنيفة كما تواتر النقل — قد يستشهد به كاتب سني دليلًا على حسن الممارسة المبكرة أو قولًا أخلاقيًا نفيسًا، لكنه لا يحمل عند إثبات الحكم نفس القوة التي يحملها عند فقيه إمامي، لأن المقدّمة العقدية التي تمنحه تلك القوة — سلطة الأئمة الموروثة المُهداة إلهيًا لبيان الشريعة — ليست جزءًا من العقيدة السنية.

وعرض الموقفين جنبًا إلى جنب هكذا ليس تلميحًا بأن أحدهما هو الصواب البيّن، بل خطوة لازمة لقراءة أدب أي من المدرستين في الرفق بالحيوان من غير سوء فهم لما تدّعيه. فحين يُستشهد بوسائل الشيعة لرواية عن الصادق تنهى عن القسوة في الحلب، يؤدي الاستشهاد عملًا تشريعيًا داخل المنهج الإمامي؛ ويستطيع القارئ السني أن يقدّر الخبر عظة أخلاقية وشهادة تاريخية على حسّ المسلمين الأوائل من غير أن يُطالَب بمعاملته دليلًا فقهيًا ملزمًا بالمعنى السني.

منهج التعامل مع الصحابة

ثمة فارق متصل بما سبق لا يقل أثرًا، يتعلق بمعاملة كل تراث للجيل الذي روى الحديث مباشرة عن النبي: الصحابة. فيقوم نقد الحديث السني على مبدأ «عدالة الصحابة» بوصفهم طبقة، لأنهم شهدوا الوحي وتربّوا في صحبة النبي، فلا يُخضع علماء السنة عموم الصحابي الواحد لنفس فحص الوثاقة الذي يُطبَّق على كل راوٍ لاحق؛ والسؤال الذي يُطرح عن سند فيه صحابي عادة ما يتناول الحلقات التي تلته لا شخصه. وهذا موقف منهجي مدروس لا غياب منهج؛ وأساسه أن القرآن وشهادة النبي نفسها زكّت هذا الجيل، مع الإقرار بأنهم كغيرهم قد يختلفون أو يخطئون في غير باب النقل.

ولا يمنح نقد الحديث الإمامي الصحابة هذا التزكية الشاملة بوصفهم طبقة. فعلم الرجال عندهم يقيّم الرواة، بمن فيهم من كان صحابيًا، فردًا فردًا على أسس ترجمية ووثاقية تُطبَّق على رواة أي جيل، ويضيف إلى ذلك وزنًا معتبرًا لولاء الراوي المتأخر لعلي والأئمة عند تقييم موثوقيته في أغراض التشريع. وهذا أيضًا منهج متماسك بمقدماته الخاصة، لا قلّة احترام للصحابة عمومًا؛ فعدد منهم معظَّم بذاته عند الإمامية، بينما يُقيَّم آخرون تقييمًا أكثر تحفظًا.

والنتيجة العملية، بلا مجادلة، أن اللفظ الواحد أو المتقارب قد يُوزَن وزنًا مختلفًا في التراثين لأسباب لا تتعلق بمضمون الخبر بل بمن يُحكَم أنه في سنده. فخبر عن إساءة معاملة حيوان يقبله عالم سني لأن في سنده صحابيًا مُفترَض الوثاقة، بينما يتحفظ فيه عالم إمامي بسبب وثاقة راوٍ لاحق فردًا، ليس خبرًا يختلف فيه التراثان في مضمونه، بل خبرًا يبلغانه من طريقين مختلفين، وأحيانًا إلى نتيجتين مختلفتين.

أصول الفقه: مصادر التشريع مقارنةً

يتفق التراثان بداءةً على أن القرآن والسنة النبوية أول مصدرين للتشريع. ويبدأ الخلاف فيما يُضاف إليهما. فأصول الفقه السني السائد يعتبر الإجماع — إجماع الصحابة أو الجماعة العلمية الأولى في أقوى صوره — مصدرًا ثالثًا، والقياس — إلحاق حكم فرع بأصل لعلة جامعة — مصدرًا رابعًا. وتضيف كل مدرسة أدوات معتبرة أو محل نزاع: فالحنفية والمالكية يستعملون الاستحسان، أي تفضيل العدول عن ظاهر القياس حين يخدم ذلك العدل أو العرف المستقر؛ ويستعمل المالكية المصلحة المرسلة حين لا يرد نص خاص بالمسألة؛ ويعمل العرف في المذاهب كافة معيارًا ثانويًا معتبرًا فيما سكت عنه النص، ويُستحضر صراحة مثلًا في تحديد ما يُعدّ مأوى كافيًا للحيوان، فيُترك ذلك للعرف المحلي.

أما أصول الفقه الجعفري السائد فيُسمّي أربعة مصادر بترتيب مختلف: القرآن، والسنة — وتشمل كما تقدّم أقوال الأئمة وسيرتهم المنقولة — والإجماع، والعقل، ويؤدي العقل كثيرًا من العمل الذي يؤديه القياس في الأصول السنية، لكن بطريقة أضيق ضبطًا في المنهج الجعفري. ويرفض جمهور فقهاء الإمامية القياس بالمعنى السني الاصطلاحي — إلحاق فرع بأصل بعلة محددة — مصدرًا مستقلًا، لأنه في نظرهم يُخاطر باستبدال تخمين بشري في علة الحكم بأساس نصي أو عقلي قطعي؛ وثمة رواية معروفة داخل الأدب الإمامي نفسه ينتقد فيها الإمام جعفر الصادق استعمال سائل للقياس في الفقه. وهذا خلاف حقيقي راسخ لا خلاف في الدرجة؛ كما أن الإجماع الجعفري يُفسَّر عادة لا اتفاقًا مستقلًا للعلماء بل كاشفًا عن موقف إمام غير مصرّح به، وهو تأصيل نظري مختلف للكلمة نفسها المستعملة في الأصول السنية.

ويحمل التاريخ الفقهي الإمامي أيضًا نزاعًا منهجيًا داخليًا يستحق الذكر هنا: الخلاف الأخباري الأصولي. فقد دعا الأخباريون، وبرزوا خاصة من القرن السابع عشر، إلى الاعتماد المباشر على الأخبار في الكتب الأربعة وما تفرّع عنها، وتحفّظوا على التوسع في الاجتهاد العقلي وراء النصوص. بينما رأى الأصوليون، الذين سادوا الحوزة الإمامية من القرن الثامن عشر وما زالوا سائدين اليوم، أن على الفقيه المؤهل أن يبذل جهدًا عقليًا مستمرًا في استنباط الأحكام، بما في ذلك تقييم وثاقة الأخبار المنقولة لا قبولها من غير تمحيص. وهذا خلاف داخلي إمامي لا سني شيعي، ويهمّنا هنا لأن أكثر الكتابة الفقهية الإمامية المعاصرة، ومنها الأدب الأكاديمي الذي يستقي منه هذا الموقع، مكتوب داخل التيار الأصولي السائد ومسلّماته في الاستنباط العقلي.

الاجتهاد والتقليد: من يُسأل فعلًا

يختلف التراثان أيضًا في كيفية علاقة المسلم العادي بالسلطة الفقهية يوميًا، ولهذا أثر عملي على من يبحث عن إرشاد لا عن فهم تاريخي فحسب. فأغلب المسلمين السنة يقلّدون أحد المذاهب الأربعة المستقرة — الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي — وكل منها تراث فقهي جماعي عريق تراكمت أدبياته عبر قرون، فمن يبحث عن حكم في جواز طريقة ذبح معينة يُوجَّه عادة إلى موقف مذهب بعينه كما يقرّره علماؤه المؤهَّلون، لا إلى مرجعية حية واحدة.

وأغلب مسلمي الإمامية يقلّدون مرجع تقليد حيًّا، وهو فقيه تعترف له الحوزة بأعلى درجات الاجتهاد المستقل، يختاره المؤمن ويستمر عادة في تقليده مدى حياة ذلك المرجع، متلقيًا الأحكام عبر رسالته العملية أو من ينوب عنه. ولأن المرجع يجب أن يكون حيًّا، فإن السؤال الموجَّه إلى الفقه الإمامي يُطرح دائمًا، من ناحية بنيوية مهمة، على اجتهاد شخص معاصر بعينه لا على موقف مذهبي موروث فحسب، وإن كان ذلك الاجتهاد يستقي من نفس الأدب الفقهي العريق المذكور آنفًا.

والنتيجة العملية لمن يريد أن يتصرف بناءً على ما يُكتب في هذا الموقع واضحة: القارئ السني يُتوقَّع أن يُوجَّه إلى عالم من مذهبه، والقارئ الإمامي إلى مرجعه أو عالم يثق به، ولا ينبغي لمقال عام كهذا أن يحلّ محل تلك الاستشارة.

قواعد مشتركة ومقاصد متنازع فيها

رغم هذه الفروق المنهجية الحقيقية، يستعمل التراثان قدرًا كبيرًا من القواعد الفقهية المشتركة التي تتكرر في كتابات السنة والشيعة معًا، ومنها ما يتعلق برفاه الحيوان. فقاعدة «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» يحتج بها الفريقان معًا للنهي عن إيقاع أذى بلا موجب. ويرتّب التراثان التكاليف على السلّم الخماسي نفسه: الواجب والمندوب أو المستحب والمباح والمكروه والحرام — والمصطلح متطابق تقريبًا، وإن اختلف موضع فعل بعينه على هذا السلّم بين مذهب وآخر وبين السنة والشيعة. ويوازن التراثان أيضًا بين المصلحة والمفسدة في استنباط ما لا نص صريح فيه، كما تفعل مقالة جوادي ومسعودي حين تعامل اعتبارات علم الرفاه الحيواني في حرية الحركة والسلوك الطبيعي جزءًا من اهتمام التراث نفسه لا أمرًا دخيلًا عليه.

وتستحق «مقاصد الشريعة» — الغايات العليا للتشريع، وتُرتَّب تقليديًا حول حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال — إشارة خاصة، لأن أبرز صياغاتها الكلاسيكية نشأت في بيئة سنية غالبًا: الموافقات للشاطبي، ومعالجة الغزالي المبكرة للمصلحة، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعزّ بن عبد السلام هي الأسماء الأكثر ذكرًا بوصفها مؤسسي هذا الخطاب، وقد عمل الثلاثة داخل التراث الفقهي السني. وهذه ملاحظة تاريخية عن موضع تطوّر المصطلح تطورًا منهجيًا، لا دعوى بأن الاهتمام الجوهري — أن أحكامًا بعينها تخدم مصالح إنسانية وحيوانية محددة — غريب عن الفكر الشيعي، الذي حضر فيه التفكير في المصلحة والمفسدة دومًا. وقد تفاعل علماء إماميون معاصرون مباشرة مع خطاب المقاصد في العقود الأخيرة، فكيّف بعضهم فئاته داخل الأصول الجعفرية، وناقش آخرون استعمالات بعينها منه، خاصة حين استُعمل الاستدلال المقاصدي ذريعةً للعدول عن نص صريح. فمن يجد استدلالًا بنكهة مقاصدية في مصدر شيعي، ومنه اهتمام جوادي ومسعودي بقدرة الحيوان على الإحساس أساسًا للحقوق، ينبغي أن يعامله نقطة تلاقح حيّة ومتنازعًا فيها، لا ملكية مستقرة غير متنازع عليها لأي من التراثين.

ميزانان يُقرآن بأمانة

كلمة «صحيح» تعني «السليم» عند السنة والشيعة معًا، وكلمة «موثَّق» تخص نقد الإمامية بلا نظير سني دقيق. لا يجعل هذا أحد الميزانين أدق من الآخر في المطلق؛ فكل ميزان مضبوط على مقدمات ذلك التراث في تحديد الراوي الموثوق وما يجب أن يثبته السند. ومقارنة درجة مجردة بين التراثين من غير سؤال عمّا تفترضه تلك الدرجة تُضلّل أكثر مما تُفيد.

مثال تطبيقي: قراءة جوادي ومسعودي

تصلح مقالة محسن جوادي وأصغر مسعودي «حقوق الحيوان من منظور إسلامي» (پژوهش‌های اخلاقی ٤:٢، شتاء ١٣٩٢هـ.ش/٢٠١٣، ص ٢١–٤٨) اختبارًا مفيدًا لأنها مكتوبة داخل بيئة علمية شيعية (قمّية) ومع ذلك تتنقل باستمرار بين المدونتين. فحين تستشهد المقالة بخبر عن النهي عن تعذيب الحيوان من كنز العمال أو أبي داود، فإنها تستعمل مصدرًا سنيًا مباشرًا يصلح دليلًا عند قارئ من أي مذهب، لأن المتن نبوي والسند سني معتمد بذاته. وحين تنتقل إلى الاستشهاد بحكم فقهي عن جواهر الكلام مستندًا إلى رواية عن الإمام الصادق أو الرضا، فإنها تستعمل مصدرًا تشريعيًا داخل المنهج الإمامي حصرًا؛ ويمكن لقارئ سني أن يقرأ ذلك المقطع وصفًا أمينًا لاستدلال مدرسة أخرى من غير أن يُطالَب باعتماده حكمًا فقهيًا ملزمًا له. والمقالة لا تخلط بين النوعين ولا تدّعي تسويتهما؛ إنما تكتب، في كل موضع، بلغة المصدر الذي تستشهد به، وهذا هو بالضبط ما ينبغي أن يحاكيه أي كاتب مقارن أمين.

وتنبع فائدة هذا المثال في أنه يُظهر أن الجمع بين المدونتين ممكن ومسؤول معًا، بشرط الإفصاح عن نوع الدليل المستعمل في كل موضع. فحين يقرأ القارئ في هذا الموقع نصًا يجمع بين حديث في البخاري وقول للإمام جعفر الصادق، لا ينبغي أن يفترض أن كليهما يحمل الوزن الفقهي نفسه عند كل قارئ؛ بل عليه أن يسأل: هل هذا النص حجة عند مذهبي أنا، أم هو وصف أمين لحجة عند مذهب آخر أستفيد منها فهمًا لا إلزامًا؟

كيف نقرأ عبر المذاهب بأمانة

الخلاصة العملية لهذه الجولة المقارنة أن التزام الدقة في نسبة كل دليل إلى منهجه هو ما يجعل الكتابة المقارنة عن الرفق بالحيوان مفيدة لا مضلِّلة. فحين نذكر رواية عن النهي عن تعذيب الحيوان، نذكر مصدرها ودرجتها عند من رواها؛ وحين ننقل حكمًا فقهيًا مستندًا إلى قول إمام أو إلى قياس أو استحسان، نسمّي الأداة الأصولية المستعملة ولا ننسبها إلى «الإسلام» جملة واحدة. وهذا لا يُضعف الحجّة الأخلاقية المشتركة على الرفق بالحيوان؛ بل يقويها، لأن المساحة المشتركة بين التراثين — تحريم التعذيب، ووجوب سقي البهيمة وإطعامها، وكراهة الإسراف والفساد — واسعة بما يكفي لبناء موقف عملي متماسك من غير حاجة إلى تذويب الفوارق المنهجية الحقيقية بينهما. ومن أراد أن يستفتي في مسألة بعينها، فليطلب ذلك من عالم مذهبه أو مرجعه، بعد أن يفهم، كما عُرض هنا، لماذا قد يجيبه بطريقة تبدو مختلفة عمّن سأل غيره من مذهب آخر السؤال نفسه.

أثر البحث

المصادر ومزيد من القراءة

  1. 01محسن جوادي وأصغر مسعودي، «حقوق الحيوان من منظور إسلامي» (بالفارسية)، مجلة پژوهش‌های اخلاقی ٤:٢ (شتاء ١٣٩٢هـ.ش/٢٠١٣)، ص ٢١–٤٨ — المقالة التي تُناقش هنا مرارًا؛ دراسة أكاديمية من بيئة شيعية علمية تستند إلى مصادر إمامية وسنية معًا، وليست فتوى ولا دعوة نباتية.
  2. 02محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح، ومسلم بن الحجاج، الجامع الصحيح — أوثق مدوّنتين سنيتين، يُطلق عليهما معًا «الصحيحان».
  3. 03أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه — بقية الكتب الستة، وتضم درجات متفاوتة من الصحيح والحسن والضعيف داخل المجلد الواحد.
  4. 04محمد بن يعقوب الكليني، الكافي؛ ومحمد بن علي الصدوق، من لا يحضره الفقيه؛ ومحمد بن الحسن الطوسي، تهذيب الأحكام والاستبصار — الكتب الأربعة عند الإمامية، وتحتوي بدورها روايات متفاوتة القوة تُحكَّم فيها فردًا فردًا.
  5. 05الحرّ العاملي، وسائل الشيعة؛ ومحمد باقر المجلسي، بحار الأنوار — مجموعتان متأخرتان أوسع، تُستعملان مصدرًا يُغربل لا مرجعًا موثوقًا بإطلاق.
  6. 06نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي — خطب ورسائل وحكم منسوبة إلى الإمام علي، فيها مواد بارزة عن الرفق بالحيوان، وإسناد كل نص فيها مسألة مستقلة عن صحة مضمونه.
  7. 07محمد حسن النجفي، جواهر الكلام — مرجع فقهي إمامي مقارن يستشهد به جوادي ومسعودي كثيرًا في أحكام رعاية الحيوان.
  8. 08المتقي الهندي، كنز العمال — فهرس حديثي سني موضوعي يُستعمل أداة بحث لا مصدرًا مُدرَّجًا بذاته.
  9. 09الشاطبي، الموافقات؛ والعز بن عبد السلام، قواعد الأحكام — أصلا خطاب مقاصد الشريعة، تطورا في بيئة سنية غالبًا.

نذكر المراجع كاملةً كي يرجع القارئ إلى أصولها بنفسه. ودرجاتُ الأحاديث وأقوالُ العلماء ملخَّصة باجتهادٍ وأمانة، وما كان منها محلَّ خلافٍ نبّهنا عليه. تحقَّق قبل أن تبني على شيء مما هنا.

تابع الخيط

تابع القراءة

Share this page